الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

بالألفاظ أو بالكتابة كما لا يخفى على الخبير . وكيف لا تكون المعاطاة بيعا ، وأكثر ما يقع في البيع هو من هذا الباب ، حتى أنّ البيع بالصيغة عندهم قليل بالنسبة إليه ، ولذا ذهب جمع من الأكابر إلى كون بيعا لازما . رابعها : صدقه على الشراء ، فإنه أيضا تمليك مال بمال ( أو تمليك عين بمال ) . وأجيب عنه : بأنّ حقيقة الشراء التملك في مقابل العوض ، فالتمليك فيه تبعي ، والتملك أصلي ، وهو غير بعيد . ( ومنه يعلم الفرق بين البائع والمشتري إذا كان كلّ من الثمن والمثمن من العروض ) . وقد أورد على هذا الوجه في مصباح الفقاهة بما حاصله : إنّ التمليك الضمني ليس له معنى محصل ، ولا معنى لكون أحد التمليكين أصلا والآخر تبعيا ، فانّ التمليكين من ناحية البائع أو المشتري يتحققان في مرتبة واحدة ، وإذن فلا أصالة ولا تبعية في المقام ، وظهور لفظ الإيجاب والقبول في ذلك غير مفيد ، لأنّه يرجع إلى مقام الإثبات ، فلا يوجب فرقا بينهما في مقام اللب والثبوت . أقول : لا شك في أنّ ألفاظ الإيجاب والقبول تحكي عن كيفية اعتبار المعتبر لهما ، ومقام الإثبات حاك عن مقام الثبوت ، وإن شئت قلت : إنّ حقيقة اعتبار البيع هو تمليك شيء بعوض ، وحقيقة اعتبار الشراء هو تملّك شيء بعوض ، فماهية الأول أولا وبالذات التمليك ، وأمّا التملك فهو تبع في كيفية الاعتبار والإنشاء ، كما أنّ ذلك في الشراء بالعكس ، سواء تقدم القبول على الإيجاب أو تأخر عنه . ولا يوجد مشتر يملك الثمن ليتملك المثمن ، فليست الأصالة والتبعية بحسب مقام الإثبات فقط ، بل اللب وكيفية الاعتبار . هذا ويمكن أن يقال : بأنّ الصادر عن البائع إنشاءان ، إنشاء تمليك المبيع للمشتري وإنشاء تملك الثمن لنفسه ، والذي يصدر عن المشتري هو قبول ذلك فقط ، لا أقول القبول ليس من قوام الإيجاب ، بل أقول إنّ حقيقة أحد الاعتبارين شبيه الفعل ، والأخرى شبيه الانفعال ، ولا في اللفظ فقط ، بل نحو الاعتبار ، وهذا التفاوت يوجب أحكاما مختلفة ولا مانع من ذلك .